بيت لحم حزينة.. كما لم تكن من قبل

فادي أبو سعدى- كان ثالث أيام عيد الميلاد، وقد ناهزت الساعة العاشرة ليلاً بقليل، عندما اضطررت للخروج من المنزل لأمر عاجل. الشوارع بدت شبه خالية، والمدينة كأنها مهجورة، إلا من بعض السيارات، سواء لزوار المدينة في وقت العيد، أو لعائلات لم تنته بعد من زيارات المعايدة.

خرجت من بيت ساحور إلى بيت لحم، كانت بيت لحم هي الأخرى على ذات الحال. شعرت أن المدينة أشبه بجسد بلا روح، محالها التجارية مغلقة بالكامل، ولا يتحرك فيها سوى بعض الجوعى في المطاعم، أو من يحاولون البقاء خارج المنزل لوقت أطول كي يشعروا أن أجواء العيد ما زالت مستمرة، وأن البلاد بخير.

 

وصلت إلى أحد مستشفيات المدينة. وتحديدًا إلى قسم الطوارئ. كان يعج بالناس رغم أن القسم بأكمله لا يتجاوز الغرفتين الصغيرتين. لكن كارثة الثقافة الخاطئة التي تربينا عليها هي ما يزيد الطين بلة. فإن كانت هناك سيدة كبيرة في السن وصلت إلى المشفى بشكل عاجل، فإن المرافقين يتجاوزون العشرات، وجميعهم يريد البقاءء معها في الغرفة، ما يعني أن وصول أي حالة أخرى ستكون كارثية، وحركة الاطباء والممرضين ستزيد الأمور تعقيدًا.

مع وصولي إلى المشفى وصل شاب في مقتبل العمر، يشعر بألم شديد في صدره، وبقي واقفًا على رجليه أكثر من ساعة وربع الساعة حتى التفت له الاطباء وأجروا له بعض الفحوص. حاولت أن أنصحه أن يرمي نفسه على الأرض كي يراه الطبيب، أو أن يصرخ، لكنه حافظ على الهدوء التام المصحوب بابتسامة. وبينما كنت أهم بالمغادرة باغتني من الخلف وقال "لقد وصلني الدور" وغادرت متمنيًا له الشفاء بينما كان يبتسم. وأنا لا أعرفه.

كوارث المشافي في فلسطين لا تتوقف عند هذا الحد، فقضية عدم وجود أسِرّة كافية في المشافي إنما تضيع الوقت والجهد، وقد تودي بحياة عدد كبير من المرضى بسبب ذلك. صرف الأطباء الكثير من الوقت يبحثون على سرير واحد لمريضة من الخليل حتى جنين، فوجودا بـ"الواسطة" سريراً في أريحا. لكن العائلة رفضت وخرجت إلى مشفى خاص.

وبعد الاطمئنان قليلاً على من خرجت لزيارته، كانت الساعة قد جاوزت منتصف الليل بقليل، كانت شوارع المدينة أكثر حزنًا، كأنها ترقب حدوث أمر مفاجيء، ربما سيء. صحيح أن الشوارع تعج بالزينة والإضاءة الخاصة بالاعياد. لكني شعرت أن ذلك لم يغير شيئًا من أجواء المدينة أو مشاعر الناس أو كمية الأرق من الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

ربما أنا من كان يشعر بكل ذلك والمدينة ما زالت بخير، لا أعرف. كنت أعاني من رجفة في أصابع يدي لأني أردت أن أكتب، وكنت متعجلاً لانتهاء الليل وبزوغ الفجر، كي أفعل ذلك. فلم أستطع النوم. بقيت مستيقظًا حتى وصل النهار وكتبت.