موقع الصحفي فادي أبو سعدى

سرقوا أحلامي!

فادي أبو سعدى- رُبما، وأقول رُبما أن شدة الإحباط بداخلي هي من دفعتني للكتابة. ورُبما كذلك كثرة الأسئلة والاجابات في آن واحد. فظروف الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية لم تعد تناسبني، وكل ما حلمت به عن فلسطين "جنة عدن" بالنسبة لي لم تعد كما رُسمت ليس في عقلي وحسب وإنما في روحي كذلك.

لم أفكر قط في الهجرة خارج فلسطين. لكن منذ وصول السلطة الفلسطينية قبل ثلاثة وعشرين عاماً وحتى اليوم لم يحدث اختراق نحو إقامة الدولة الفلسطينية. بل على العكس تماماً لم يتبقَ من الدولة شيء على الأرض. كما أن حلمي بنظام ديمقراطي كان خاطئاً هو الآخر فأنا لا أتمتع بحرية التعبير كم أريد وشواهد القوانين كثيرة بينما مصدر القوانين وهو "البرلمان" فهو في سبات عظيم منذ سنوات. وحالة الحريات في البلد في أسوء أحوالها! 

على الجانب الاقتصادي، لا تبدو الأمور أحسن حالاً فجهنم الأسعار يلاحقنا وكل ما ارتبط باتفاقية باريس الاقتصادية وفرق الضرائب بين فلسطين ودولة الاحتلال والدخل المتدني مقارنة مع الأسعار لا يعطي الكثير من الخيارات. وهو ما يوصلني إلى قضية داخلية لا تقل أهمية وهي الضمان الاجتماعي و"سرقة" مدخراتي في حال تطبيق القانون كما نشر بشكله الحالي.

ولا أعتقد أن هناك حاجة لتفسير الجانب النفسي بعد كل ما ذكر فهو يبرر حاجتي للتفكير ملياً بخيارات أخرى. لكن في المقابل فإن ثقافتنا وتربيتنا لا تعرف فكرة "الهجرة" من فلسطين وطنياً ونفسياً. أضف إليها الجانب الأخلاقي في عدم قدرتي على مغادرة البلاد وترك أهلي وحيدين. وهنا تبدأ لعبة الأعصاب والضغط النفسي في كيفية التصرف في مثل هذه الحالة المعقدة.

قد يأخذ القاريء فكرة متشائمة عني وفقاً لما تقدم. لكن الحقيقة معاكسة تماماً لذلك. فأنا لا أحيا إلا بالأمل. وأواصل هذا الأمل بدولة مستقلة ديمقراطية تصون الحريات وتوفر لي عيشة كريمة في شيخوختي دون حالة من القلق على أطفالي ومستقبلهم في هذه البلاد المقدسة بالمطلق. ولكن...

وكي يبقى الأمل قائماً علينا أن نرى تغييراً حقيقياً في سياستنا، وعلينا أن نعلن قرارات حازمة تؤكد ديمقراطية نظامنا السياسي، وقوانين تصون الحريات العامة أياً كانت وكذلك العدالة الاجتماعية، وتخفيف العبيء عن الناس ووقف رفع الأسعار ودفع الرواتب قُدماً بما يليق بحياة كريمة. عند ذلك قد تتغير النظرة. لكن الوقت شديد الأهمية وقبل فوات الأوان. فإن سُرقت الأحلام وهي الأجمل. فإن قرارات مصيرية تلوح في الأفق.