موقع الصحفي فادي أبو سعدى

أربعون ميلاداً تحت الاحتلال!

رام الله- القدس العربي من فادي أبو سعدى- كانت الساعة الخامسة مساء عندما وصلت إلى هذا العالم، وتحديداً في مستشفى الخالدي بمدينة القدس. كان ذلك في عام 1975. وكانت القدس قد احتلت قبل ثماني سنوات من يوم ميلادي. 

وما زالت المدينة المقدسة محتلة حتى اليوم بل ومشتعلة هذه الأيام في التصدي لما يحاول اليهود فرضه في المدينة وعلى المسجد الأقصى المبارك بشكل رئيسي.

عُدت بعد مولدي من القدس إلى بيت لحم وتحديداً إلى مدينة بيت ساحور. وكانت عائلتي تقطن قرب «حقل الرعاة» – حيث بَشّر الملاك الرعاة بميلاد السيد المسيح – بحسب الكتب المقدسة. لكننا انتقلنا في عام 1981 إلى منطقة «جبل الديك» على أطراف القدس، وهي المنطقة المحاذية لجبل أبو غنيم شمال المدينة.

ما زلت أذكر أن انتقالنا إلى منزلنا الجديد كان على عجل. فهو لم يكن جاهزاً بعد. لكن إسرائيل هددت بمصادرته و25 منزلاً آخر في الحي ما لم نسكنها خلال أسبوع! وبالفعل انتقلنا إلى هناك ونمنا أياماً طويلة على التراب والنوافذ كانت مفتوحة. كل ذلك كي نحمي المنزل من المصادرة. 

ولم يكن في الحي لا كهرباء ولا ماء فكنا نشرب من «الزير» ونعيش على ضوء مصباح يعمل على الكاز. فالحصول على كهرباء وماء كان كالهبة الربانية في زمن الاحتلال.

قضينا عاماً كاملاً في المنزل حتى وصلت الماء. وعاماً آخر بعده في 1983 حتى وصلت الكهرباء إلى الحي. لكننا نجحنا في منع مصادرة المنزل وبقينا في هذه الربوع رغماً عن الاحتلال. واستمرت العائلات الجديدة بالقدوم إلى المنطقة. وكان أول إسكان يقام في مدينتنا.

كنا نلهو كثيراً في الجبال المحيطة بنا أيام الطفولة. وكان أجمل ما يحيط بمنطقتنا هو القبة الخضراء المقابلة لمنزلنا وهي «جبل أبو غنيم» حيث قضيت نصف عمري فيها. لكنني اليوم أقصي النصف الآخر منه ولم تعد القبة خضراء بل أصبحت مدينة كاملة وليست مستوطنة وحسب بعدما سرقها الاحتلال من أصحابها وأقاموا عليها حي «هارحوما» ليتم شطب الاسم الفلسطيني «أبو غنيم» ضمن سياسة تهويد كل شيء فلسطيني.

كان الاحتلال يحاول دائماً الانتقام منا لأننا منعنا سرقة الأرض الواقعة على تلة مشرفة على القدس المحتلة. فكانت تجري تدريبات عسكرية بالذخيرة الحية بين منازلنا وبين أشجار الصنوبر والسرو التي كانت منتشرة في محيط الحي. وأذكر كيف كنا نصحو باكراً بعد كل تدريب ونذهب لتفقد المكان ورؤية بقايا الذخيرة التي كان يستخدمها جنود الاحتلال.

وخلال الانتفاضة الأولى كان القانون الإسرائيلي المعمول به أنك لو غادرت فلسطين فلن تستطيع العودة إليها من جديد إلا بعد تسعة أشهر كاملة من تاريخ المغادرة. وهذا ما حصل فعلاً عندما غادرت في عام 1993 إلى بغداد طلباً للدراسة. وألغي القانون بعد وصول السلطة الفلسطينية.

أربعون ميلاداً تحت الاحتلال في وطن بلا دولة. ولا يبدو أن الاحتلال ذاهب قريباً إلى زوال. أربعون عاماً ازدادت خلالها الحواجز بين المدن الفلسطينية وتقطعت أوصال الوطن. 

أربعون عاماً نجحت خلالها في الوصول إلى غزة ثلاث مرات كان آخرها قبل خمسة عشر عاماً. أربعون عاماً وما زال الدخول إلى القدس ممنوعاً إلا بتصريح خاص من الاحتلال!.. لكن القدس ما زالت تقاوم.