موقع الصحفي فادي أبو سعدى

على كفِ "عفريت"

فادي أبو سعدى- منذ زمن طويل، أو منذ أنا كنا صغار السن ونحن نسمع أن البلد "على كف عفريت"، ولم نكن آنذاك نعرف المقصود من هذه المقولة، حتى أننا كنا ننتظر العفريت كل ليلة. ليتبين لنا أن العفريت بيننا ويتلاعب بنا، بينما لا زلنا نردد ذات المقولة دون أن نعرف إلى أين سيقودنا هذا العفريت وأين ستصل بنا الأمور في نهاية المطاف.

ولو حاولنا الدخول قليلاً في التفاصيل، لعرفنا فعلاً أن بلدنا على كف عفريت على كل المستويات، فلو نظرنا إلى رأس الهرم أي الحكومة، فهاي هي على وشك تعديل حكومي، ورواتب الموظفين هي الأخرى على كف عفريت، وينتظر الموقف كل شهر إعلان موعد صرف الرواتب، وكأن الراتب أصبح هو "العفريت" بالنسبة للموظفين.

 أما من جهة الاقتصاد، ورغم وجود عدد من المصانع والكثير من المنتجات الفلسطينية الآخذة في التطور إلا أننا لا نملك اقتصاداً ولا حتى شبه اقتصاد. فنحن لم نستثمر الأموال طوال عشرين عاماً من وجود السلطة الفلسطينية ولم نحاول حتى استثمارها لبناء اقتصاد مستقل. رغم الأحاديث المتأخرة جداً عن إنشاء أول مصنع فلسطيني للإسمنت قريباً في البلد، فـ"العفريت" الإسرائيلي يمسكنا من رقابنا طالما لن نطالب بتعديل أو إلغاء بروتوكول باريس الاقتصادي.

وعلى صعيد الأيدي العاملة، فإن "العفريت" نجح بالقضاء علينا تماماً، فجزء منا يعمل داخل إسرائيل، والجزء الثاني في المستوطنات، وجزء ثالث ورابع أخذهم العفريت إليه تحت اسم "تصاريح عيد". والسبب في توجه العمالة إلى داخل إسرائيل أنه ورغم وجود الكثير من الأعمال في بلدنا إلى أن لا أحد يدفع حقوق العاملين، وإن دفع فهي كذر الرماد في العيون لا تكفي لرب أسرة وسط هذا الغلاء الفاحش.

ولا يختلف الأمر كثيراً بالنسبة للمواطن العادي، فقد أشارت آخر الإحصاءات الرسمية في البلد أن نصف الشباب في قطاع غزة ونصفهم كذلك في الضفة الغربية يريدون الهجرة، فهم على ما يبدو يريدون بلداناً أخرى لتكون وطناً لهم. وهؤلاء اكتشفوا أن لا مفر من العفريت إلا في مكان آخر! ورغم أننا ضد فكرة الهجرة بشكل عام إلا أننا لا نستطيع أن نوقف أحلام أحد.

رُبّان السفينة يجب أن يخلصنا من العفريت، وطاقم السفينة يجب أن يقود الجموع للخروج من هذه المآزق المتلاحقة للوصول إلى بر الأمان، فقد تعبنا من العفريت وتعبنا ممن لم يحاول التخلص منه، وتعبنا من تفاصيل حياتنا التي لا يمكن للعفريت إلا أن يتواجد فيها. لقد آن الأوان كي نعيش بقليل من الكرامة وكثير من الهدوء والطمأنينة التي نفتقد.