موقع الصحفي فادي أبو سعدى

بلادنا تُحارب كل من تُسوّل له نفسه النجاح

فادي أبو سعدى- بعد تجارب كثيرة، وكثيرة جداً، أصبح من الممكن أن نقول، أن ثقافة رسمية باتت موجودة في بلادنا، فحواها أن البلاد و"أصحابها"، يحاربون كل من يحاول النجاح، على طريقته الخاصة، وهذا بالنسبة لهم أمرٌ ممنوع الحدوث، وكأن النجاح كُتب لأناس دون غيرهم، أو ارتبط برأس المال، ولا يسمح للعبد الفقير وعامة الشعب، مجرد التفكير في ذلك.

ولا أكتب من منطلق سلبي أو حتى لنشر ثقافة الإحباط، لكن جزء كبير مما أقول، تكوّن من تجارب شخصية، كانت محاربة النجاح فيها، هي الرفيق الأول، عندما حاول الكثيرون إجبارك على التعثر، وآخرون انتظروا تعثرك للانقضاض عليك.

ولو حاولنا إلقاء نظرة سريعة، على خط سير الحياة في البلد، لوجدنا أن كل ما يمسك بزمام الأمور، السياسية منها أو الاقتصادية أو حتى المجتمعية، هم من كبار السن، ما يعني "كبار القوم"، وكانوا دائماً يقولون انا أن الانتخابات قادمة "ولا أقصد هنا الانتخابات السياسية فقط"، لضخ دماء جديدة وتحديداً من الشباب، لكننا لم نشعر لا بدماء جديدة، ولم نعد نسمع عن الشباب كذلك!

ولا يخفى على أحد، أن كل قصص النجاح الشبابية في البلد، هي نجاحات فردية بامتياز، لأشخاص أخذوا على عاتقهم المغامرة بكل شيء، في سبيل تقديم شيء مختلف، لطالما حلموا به، وأرادوه بداية للتغيير الشامل في المجتمع الفلسطيني، ولتوريثه للأجيال القادمة.

فالمصور الصحفي أسامة السلوادي على سبيل المثال، يُحارب وحيداً في الحفاظ على كل ما له علاقة بالتراث الفلسطيني، وكل ما يلقاه، هو بعض السخرية وفُتات من الدعم، ورغم ذلك مستمرة وبقوة، ولك أن تمر على نجاح آخر مثل سائد كرزون ومشروعه للتغيير You Know، وكيف وصل لهذا المشروع واستطاع إطلاقه، وحتى مجلة "بنت البلد" في بيت لحم، وقصة كفاحها لأربع سنوات مجاناً في سبيل حث الناس على القراءة، ومحاولات تغيير بعض العادات الفلسطينية البائسة التي ما زالت تسود في المجتمع، والأمثلة كثيرة جداً.

ثم يسألوك لماذا تُهاجر؟ والإجابة: لأن هناك في فنلندا على سبيل المثال، حصل صديق لي على منحة مالية كبيرة، للتفرغ الكامل للعمل على نشر كتاب عن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، تخلله أكثر من رحلة إلى المنطقة وإجراء الكثير من المقابلات، ثم الابتعاد عن كل ما قد يسبب لك التوتر أو يشتت أفكارك، لتبدأ مرحلة الكتابة، وها هو الكتاب على وشك الصدور! لكن ما هي الأمثلة التي نملكها في بلادنا في المقابل؟ لا شيء للأسف.

الكارثة التي قد لا يعرفها الكثيرون، أن أمثلة النجاح الشبابية الفردية، آخر ما تبحث عنه هو "المال"، فيما رؤوس الأموال يعتقدون أنك تؤثر عليهم، بل وتحاربهم في أرباحهم، فيبدأون بمحاربتك بشتى الطرق كي تسقط، ولا تستطيع الاستمرار، بدل احتضانك، والمحافظة على نجاحك كي يكونوا جزءً من هذا النجاح. حتى باتت القضية ثقافة سائدة بالفعل!