موقع الصحفي فادي أبو سعدى

السلطة الفلسطينية لم تستثمر الأموال طوال 20 عاماً والحكومات ضيعت فرصاً ثمينة للاستثمار

فادي أبو سعدى- رام الله – «القدس العربي»: شعر الشارع الفلسطيني بنوع من الصدمة، عندما أعلن ناصر قطامي، وكيل وزارة العمل الفلسطينية، أن نسبة البطالة المرتفعة في فلسطين، تعتبر من أعلى النسب في العالم، حيث بلغت 27٪، ووصل عدد العاطلين عن العمل إلى 330 ألف عاطل، فيما 85٪ من أهل قطاع غزة، يعيشون تحت بند المساعدات الاجتماعية، تلك التي تصل من الدول المانحة التي تقدمها للشعب الفلسطيني، بعد أن كان لهم مصدر دخل يعتاشون منه لإعالة أسرهم.



وتولد هذا الشعور في الشارع الفلسطيني، كون السلطة ومنذ إنشائها، تعتاش على المساعدات الخارجية، وجلبت العديد من المشاريع إلى فلسطين، لكن جل هذه المشاريع، لم تستثمر بالشكل الصحيح، ولم يتم الالتفات للمشاريع ذات الطابع التنموي، أو الإنتاجي، أو الصناعي، التي تتخذ صفة الديمومة، وبالتالي تستخدم الكثير من الأيدي العاملة، وتوفر الكثير من فرص العمل، على مشاريع صغيرة ومحددة الفترة وعادة تكون قصيرة، وتعود الأيدي التي عملت في هذه المشاريع، إلى صفوف العاطلين عن العمل بعد انتهاء المشاريع.

«القدس العربي» تحدثت إلى صلاح هنية، رئيس جمعية حماية المستهلك في فلسطين، الذي يشعر بالأسف الشديد لأن «عدداً لا بأس به من المصانع قد أغلق أمام ناظرينا، في رام الله ونابلس وبيت لحم وبيت ساحور لأسباب مختلفة، وبقينا في العقل الباطن نعتقد أن سوق العمل في فلسطين المحتلة عام 1948، فرصة سانحة لدخل مالي، وركزنا جل اهتمامنا على قطاع الخدمات، في حين شهد القطاع الزراعي تراجعاً كبيراً، وبات الاعتماد بشكل كبير على النمط الاستهلاكي، الذي نستورد من خلاله معظم ما نستهلك، وهذا مؤشر خطير جداً اقتصاديًا وماليًا».

لكن هنية يرى أن هناك حالة من الصحوة المتأخرة اليوم، لدى كافة مكونات المجتمع الفلسطيني، بعد ثلاثة مؤتمرات استثمار لم تؤت أكلها في بيت لحم ونابلس ولندن، وبعد حديث مستمر حول الاستثمار. ويعتقد أنه اعيد اكتشاف العجلة، وعاد الحديث عن اقتصاد فلسطين، انه اقتصاد عذري، وبحاجة لأنواع الاستثمار كافة، وبات القطاع الزراعي بحاجة إلى تنمية، رغم ارتباطه بالمياه والموارد.

ولكن رغم ذلك، يجزم هنية، أن الحكومات الفلسطينية المتعاقبة، ورغم بارقة الأمل، ضيعت فرصًا ثمينة في ملف الاستثمار، والنهوض بالاقتصاد الوطني، وليس بالضرورة عن سوء نوايا أو رغبة في ذلك، بل من منطلق الحديث المتكرر عن الإجراءات الاحتلالية، وعدم السيطرة على الموارد، والمعابر، وحجب امكانيات التنمية من قبل الاحتلال، لكننا كنا نستطيع الإنجاز هنا وهناك ولم نكمل المشوار.

وبحكم عمله في جمعية حماية المستهلك، والترويج للمنتج الفلسطيني على حساب نظيره الإسرائيلي أو العربي أو الغربي في السوق الفلسطينية، اعتبر أن قدرة المنتج الفلسطيني على المنافسة عالية جدا، خصوصا في عدد من القطاعات، منها الغذائية والأثاث والكيميائية والورقية، وهي بحاجة لحضانة ولو مؤقتة، توفر لها مناخ حماية مؤقتا لتقف على قدميها، لكن المؤسف أن الجميع يفكر داخل الصندوق، والجميع يتطلع لمحددات بروتوكول باريس الاقتصادي، أكثر من النظر لدوره ومسؤولياته على تحدي هذه القيود، حتى نحقق استقلالا اقتصاديا، يكون بمثابة مقدمة للاستقلال السياسي.

وختم هنية حديثه بالقول أن الجميع يتحدث عن جزر تنموية متناثرة، ولا أحد يؤسس لخطة متكاملة تبتعد عن رزم المشاريع صوب رؤية ورسالة واضحة، للنهوض بالاقتصاد الوطني الفلسطيني نحو الاستقلالية التامة.

من جهته، أكد رئيس الوزراء الفلسطيني، رامي الحمد الله، سعي الحكومة إلى تعزيز الشراكة مع مؤسسات القطاع الخاص، للنهوض بواقع الاقتصاد الفلسطيني، وتشجيع الاسثتمار، لتعزيز اقتصاد وطني ينهض بالدولة الفلسطينية المستقلة.

وقد أطلق هذه التصريحات، خلال زيارته إلى مقر اتحاد الغرف التجارية الصناعية الزراعية الفلسطينية، في رام الله، واطلع رئيس الوزراء أعضاء الاتحاد على جملة من المواضيع والقرارات، التي اتخذتها وستتخذها الحكومة، خلال الفترة المقبلة، والتي تعمل على تعزيز صمود المواطنين وثباتهم على أرضهم، ومنها اعفاء المزارعين من الضرائب، بالإضافة إلى بحث انشاء عدد من المناطق الصناعية الجديدة، وإطلاق برامج للتدريب المهني والتقني خلال الفترة المقبلة، لأهميتها في رفد السوق الفلسطيني بالأيدي العاملة، وفق المتطلبات.

وكشف أنه تم رصد مبلغ 400 مليون شيكل للبدء بتسديد مستحقات القطاع الخاص والمقاولين والمشافي وعددا من القطاعات الأخرى، بالإضافة إلى ادخال تعديلات على قانون تشجيع الاستثمار، وإقرار قانون الضريبة لبدء سريانه قريبا.

واعتبر رئيس الوزراء الفلسطيني، أن المشاريع الرائدة التي ينفذها رِجال الأعمال على أرض فلسطين، لدليل واضح على تحمل أبناء شعبنا المُغتربين لمسؤولياتهم الإنسانية والوطنية في تعزيز صمود المواطنين، وأن مشاريعهم وتبرعاتهم، لها عَظيم الأثر في دعم صُمود شعبنا ومَده بمقومات بقاءه على أرضه وتعزيز ثقته بقدرته على العَطاء والبناء.

كما تحدث عن رجال الأعمال والمستثمرين العرب والدوليين، مشيراً إلى مساهمتهم من خِلالِ إستثماراتهم الهامة والنوعية برفد مسيرة شعبنا نحو الحرية والإستقلال وبناء الدَولة، داعيا إلى بلورة وتنفيذ المزيد من المشاريع التنموية والإستثمارية التي تَستنهض إقتصادَنا الوَطني وتُطلق إمكانياته الكامنة، وتُعَزِز إستقلاليتَه، وتُشغل أبنائَنا وبناتنا.

وقال: «أتطلع إلى مشاركتكم لنا في جهود إعادة الحياة والبِناء والإعمار إلى قطاع غزة، لنجدة أهلنا فيه وتوفير إحتياجاتهم الأساسية والطارئةِ، وإنتشالهم من الموت والمعاناة والألم، فبلادنا بحاجة إلى كل جهد بنّاء، يستنهض الطاقات ويصقِل الإمكانيات على طَريق تَجسيد دولة فلسطين المُستقلة، كاملة السيادة، عَلى حُدود عام 1967، وعاصمَتها القدس الشرقية، وغزة قلبها النابض بالحياة والأمل».

وكان الرئيس الفلسطيني محمود عباس، قد تحدث هو الآخر قبل أيام، وخلال انعقاد مؤتمر المستثمرين الفلسطينيين في رام الله، عن أهمية الالتفات للمشاريع التنموية والصناعية، وأثرها الكبير في ديمومة عجلة الاقتصاد، وتوفير فرص العمل للشباب الفلسطيني، الذي ينتظر مستقبلاً أفضل.

وفي أكثر من مرة، عندما شهدت الأسعار ارتفاعاً كبيراً في فلسطين، أو عند انقطاع رواتب الموظفين، وغيرها من الأزمات المتواصلة التي تعصف بالفلسطينيين، ينادي الشارع الفلسطيني حكومته وقيادته، بإجبار إسرائيل على إعادة فتح ملف بروتوكول باريس الاقتصادي، والعمل على تعديل الكثير من البنود المجحفة، التي تقف عائقاً أما تطور واستقلال الاقتصاد الفلسطيني.

لكن مأخذ الشارع على الحكومات المتعاقبة وعلى القيادة الفلسطينية، هو العمل بنظام «إبر التخدير» بخصوص تعديل الاتفاقيات أو إلغائها وتوقيع أخرى جديدة تلبي احتياجات الفلسطينيين، لأن كل الأزمات التي مرت على الفلسطينيين، لم تُغير شيئاً على أرض الواقع، وبقي المواطن هو من يتحمل الأعباء وحده، وتواصلت نسب البطالة في الارتفاع، حتى وصلت إلى ما وصلت إليه اليوم.